من أوسلو إلى المليشيا الوظيفية، كيف أُعيد تعريف العدو في الوعي الفلسطيني؟
14 May 2026

لم تبدأ المليشيات المرتبطة بالاحتلال كبنية أمنية فقط، بل بدأت أولًا كسردية سياسية كاملة، سردية أعادت تشكيل وعي جزء من الفلسطينيين تجاه القضية والعدو والمقاومة والشرعية. ولهذا فإن فهم هذه المليشيات لا يكون عبر قراءة سلوكها الأمني وحده، بل عبر العودة إلى الفكرة التي أسست لها: كيف تحوّل مشروع التحرر تدريجيًا إلى مشروع إدارة مجتمع تحت الاحتلال؟

هنا تكمن القصة كلها.

فالمشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية لم تدخل من باب الخيانة المباشرة، بل دخلت من باب “الواقعية السياسية”. قيل للفلسطيني إن موازين القوى لا تسمح بالتحرير، وإن العالم لن يقبل بالمقاومة المسلحة، وإن الأولوية يجب أن تكون لبناء المؤسسات وتحسين الاقتصاد وتثبيت الاستقرار. بدا الخطاب في ظاهره عقلانيًا، لكنه حمل في داخله أخطر تحول في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية: نقل القضية من صراع مع الاحتلال إلى صراع مع نتائج مقاومته.

وهكذا جرى تأسيس سردية جديدة بالكامل.

لم يعد الاحتلال هو مركز المشكلة، بل “الفوضى”. ولم تعد المستوطنات هي الخطر الأكبر، بل “السلاح المنفلت”. ولم يعد السؤال: كيف نُنهي الاستعمار؟ بل: كيف نمنع انهيار الوضع الأمني؟

هذه السردية هي التي أنجبت لاحقًا البنية المليشياوية المرتبطة بالاحتلال.

فحين تصبح وظيفة السلطة الأساسية هي حماية “الاستقرار” وفق المعايير التي يريدها الاحتلال والمجتمع الدولي، يصبح أي فعل مقاوم تهديدًا مباشرًا للنظام القائم، حتى لو كان هذا الفعل موجهًا ضد الجنود والمستوطنين. عندها يبدأ التحول الأخطر: المقاوم لا يُنظر إليه باعتباره يقاتل العدو، بل باعتباره يهدد “النظام العام”.

ومن هنا بدأت إعادة تعريف الوطنية نفسها.

الوطني، وفق هذه السردية الجديدة، ليس من يربك الاحتلال، بل من يمنع الانفجار. والعاقل ليس من يرفض الاستيطان، بل من يخشى “التصعيد”. أما البندقية الفلسطينية، فتحولت من رمز للتحرير إلى عبء سياسي وأمني يجب احتواؤه أو ملاحقته أو نزعه.

لكن هذه البنية لم تظهر فجأة، بل كانت امتدادًا مباشرًا لمشاريع تصفوية سابقة أُسست بأيدٍ فلسطينية. فبعد أوسلو تحديدًا، جرى بناء نموذج سياسي كامل قائم على فكرة أن الفلسطيني يمكن أن يحصل على “حياة أفضل” دون أن يمتلك سيادة حقيقية. ومع الوقت، صار الحفاظ على هذا النموذج هدفًا بحد ذاته، حتى لو كان الثمن تفكيك بنية المقاومة نفسيًا وسياسيًا وأمنيًا.

وهنا التقت المشاريع التصفوية مع وظيفة المليشيا.

كلاهما يقوم على الفكرة نفسها:

أن الخطر الحقيقي ليس الاحتلال، بل أي محاولة لكسر المعادلة التي ينظم بها الاحتلال الحياة الفلسطينية.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول بعض الأجهزة والقوى المرتبطة بهذه البنية إلى أدوات تطارد المقاوم في الضفة بينما كان الاحتلال يوسع الاستيطان ويحرق القرى ويقتحم المدن يوميًا. لأن وظيفتها العميقة لم تعد مرتبطة بتحرير الأرض، بل بحماية النموذج السياسي الذي نشأ بعد التسوية.

لكن غزة جاءت لتكشف التناقض كله دفعة واحدة.

غزة، رغم الحصار والإبادة، أعادت القضية إلى أصلها الأول: شعب يقاتل استعمارًا استيطانيًا. ولهذا لم تكن غزة مجرد ساحة حرب، بل صدمة فكرية وسياسية لكل السردية التي بُنيت خلال العقود الماضية. لأنها أعادت طرح السؤال الذي حاولت المشاريع التصفوية دفنه طويلًا: إذا كان الاحتلال لا يفهم إلا القوة، فلماذا يُطلب من الفلسطيني وحده أن يتخلى عن مصادر قوته؟

هنا بدأ الارتباك الحقيقي.

فغزة لم تُحرج الاحتلال فقط، بل أحرجت أيضًا كل البنية التي قامت على فكرة أن “الهدوء” هو الطريق الوحيد الممكن. لأنها أثبتت أن الشعب الذي يفقد قدرته على المقاومة لا يتحول إلى شعب يعيش بسلام، بل إلى مجتمع يعيش تحت إدارة المستعمِر.

ومن هنا نفهم لماذا أصبح بعض الخطاب السياسي والأمني في الضفة ينظر إلى نموذج غزة باعتباره تهديدًا، لا لأنه جلب الحرب فقط، بل لأنه أعاد إحياء فكرة أن الفلسطيني ليس مجرد سكان ينتظرون التصاريح والمساعدات، بل شعب يملك حق الاشتباك مع من يحتل أرضه.

ولهذا فإن المليشيات المرتبطة بالاحتلال لا تخشى البندقية لذاتها فقط، بل تخشى ما تمثله هذه البندقية من انهيار للسردية التي تأسست عليها مشاريع التسوية كلها. فهي تعرف أن عودة فكرة المقاومة إلى مركز الوعي الفلسطيني تعني سقوط المنطق الذي بُنيت عليه وظيفتها السياسية والأمنية.

إن أخطر ما فعلته المشاريع التصفوية أنها لم تطلب من الفلسطيني أن يحب الاحتلال، فهذا مستحيل، بل طلبت منه أن يتكيف معه، وأن يرى مقاومته كلفة أكبر من وجوده نفسه. وهنا بالضبط وُلدت المليشيا الوظيفية: كقوة تحرس المعادلة لا الوطن، وتحمي الاستقرار لا التحرر، وتخشى انهيار النموذج السياسي أكثر مما تخشى تمدد الاستيطان.

لكن التاريخ الفلسطيني أثبت دائمًا أن الشعوب قد تُرهق، وقد تُحاصر، وقد تُخدع لفترة، لكنها في النهاية تعود إلى سؤالها الأول: من هو العدو الحقيقي؟

وعندما يعود هذا السؤال إلى الواجهة، تبدأ كل السرديات المصطنعة بالتساقط، مهما امتلكت من مال وسلاح وخطاب سياسي وإعلامي.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
انهيار النظام الصحي في غزة جريمة إسرائيلية
28 May 2026
director
المقال السياسي
في غزة تتحول أعياد السعادة الى أعراس الشهادة
28 May 2026
director
المقال السياسي
مكة تكتظ بالحجيج.. وغزة تكتظ بالمقابر والخيام
26 May 2026
director
المقال السياسي
الهزيمة التي تبدأ من اعتياد المشهد
26 May 2026
director
المقال السياسي
عندما تصبح الأخلاق مشروطة بالجنسية: أسطول الصمود يقلب الطاولة!
25 May 2026
director
المقال السياسي
الدم حين يهزم الذريعة وصناعة السردية الفلسطينية في مواجهة الطمس
23 May 2026
director
المقال السياسي
ازدواجية معايير مجلس السلام.. في مرآة الديماغوجيا
20 May 2026
director
المقال السياسي
استهداف الحداد ونجل الحية بين الحرب النفسية وكسر التفاوض
19 May 2026
director
المقال السياسي
مسيرة العطاء تتجدد وفكرة القضاء تتبدد
17 May 2026
director
المقال السياسي
بين النكبة وحرب الإبادة تكرار للعدوان واستمرار لنهج الاحلال الممنهج
15 May 2026
director
المقال السياسي
"فلسطــين" ما بين (نكـبـة48 و طـوفــان23)
15 May 2026
director
المقال السياسي
حدود القوة المطلقة: قراءة في سيكولوجية التراجع الاستراتيجي الإسرائيلي وعقلنة الانسحاب
13 May 2026
director
المقال السياسي
بين الاتفاق والانتهاك... غزة رهينة المماطلة
09 May 2026
director
المقال السياسي
الماء كسلاح حين تستخدم إسرائيل العطش عقاباً جماعياً لأهل غزة
06 May 2026
director
المقال السياسي
كسر احتكار المعنى حين تستعيد المقاومة تعريف الممكن
06 May 2026