أستطيع القول إن سجون الاحتلال تحوّلت بعد السابع من أكتوبر إلى ساحات تعذيب وتحقيق على مدار الساعة، وإعدام بطيء عبر سياسات انتقامية عقابية، تشمل التنكيل واستخدام غاز الفلفل وتعريض الأسرى لبرد قارس وحرمانهم من العلاج، بالإضافة إلى الإخضاع القسري لسياسات التجويع والعزل الانفرادي والعقاب الجماعي
لقد بُنيت السجون الإسرائيلية حقاً بعد السابع من أكتوبر 2023، وفق شهادات حية لأسرى قدامى وجدد. أصبح هذا التاريخ كابوساً للمجتمع الصهيوني ومؤسساته، وصفعة تاريخية لم يستوعبها المستوى السياسي والأمني والعسكري للكيان المحتل. فبعد الصدمة بعملية "طوفان الأقصى"، اتخذت مصلحة السجون الإسرائيلية – بقرار من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وموافقة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو – تنفيذ حرب داخلية تهدف إلى الانتقام من الأسرى باعتبارهم الهدف الثاني للعملية. أدت هذه الحرب إلى تفكيك الحركة الأسيرة وعزل قيادات الفصائل الفلسطينية، وتفريق أصحاب الأحكام العالية في العزل الانفرادي، وتكثيف عمليات القمع والضرب المبرح والاعتداءات الجسدية واللفظية، ومحاولات زعزعة الثقة النفسية بقدرة المقاومة على ما تسميه "تبييض السجون" عبر صفقات مستقبلية. مارست الوحدات الخاصة عمليات تفتيشية وعقوبات جماعية ممنهجة وانتهاكات مستمرة، كتقليل الطعام والإهمال الطبي المتعمد، وسحب الملابس الكافية والأغطية والفرشات، خاصة ضد أسرى غزة.
وبالتوازي، مارست وزارة الأمن القومي تعبئة عامة داخل المجتمع الصهيوني، حاملة رسائل حقد وكراهية ضد سكان غزة، وشَوّهت صورتهم عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل بوصفهم "وحوشاً" و"ديناصورات" لا يستحقون الحياة، وحَرّضت على الانتقام منهم. غيّرت هذه الحملة النظرة تجاه شعب كان همه العيش بكرامة على أرضه تحت الحصار.
أما أسرى غزة بعد السابع من أكتوبر، فهم ظاهرة من الصعب وصفها. لنبدأ الرواية من معتقل #سدي_تيمان، الغوانتانامو الإسرائيلي لاستقبال أسرى غزة، حيث ذاق الشباب عذابات لا تُمحى من الذاكرة. هناك، يُربط معصم كل أسير بسوار بلاستيكي رقمي، وينادى برقمه أو باسمه أحياناً. يستيقظون على صياح الجنود من الخامسة فجراً حتى العاشرة ليلاً، مقيدين بالأغلال الحديدية في الأيدي والأقدام، ومعصوبي الأعين طوال الوقت، مجبرين على الجلوس بوضعيتين فقط: القرفصاء أو التشهد على الركبتين، لأكثر من 15 ساعة يومياً. حتى حق قضاء الحاجة مُعَذَّر: فالانتظار قد يمتد لساعات، وقد يتبول الأسير على نفسه تحت الضغط والإذلال، وهو أمر مقصود من إدارة المعتقل. بل إن ما يسمى "بالشاويش" (المساعد) كان يسرق جزءاً من وجبات الأسرى الهزيلة أصلاً، والتي تكاد ثلاثها لا تسد جوع وجبة واحدة، حيث اقتصرت على قطعة توست ونصف ملعقة مربى.
وتتصاعد الانتهاكات في السجون مثل #جانوت (نفحة الصحراوي)، حيث تَصْعِد مصلحة السجون من سياساتها الانتقامية التي تشكل خطراً حقيقياً على حياة الأسرى. وتتضمن الشهادات عمليات اقتحام متكررة وتفتيشاً مفاجئاً، ومنع إدخال المصاحف وأداء صلاة الجماعة، وسحب الأغطية والملابس، والمراقبة المستمرة بالكاميرات، ومباغتة الأسرى برش غاز الفلفل الذي يهدد حياة مرضى الصدر، ثم تدخل وحدات قمعية للضرب المبرح وإهانة الكرامة. تتبع ذلك عقوبات كسحب الفراش والأدوية وتهديد الأسير بنقله في أي وقت.
وتستمر سياسة الإهمال الطبي الممنهج ضد الأسرى المرضى، خاصة ذوي الأمراض المزمنة الناتجة عن التعذيب، عبر منع الدواء والفحوصات. وقد تفاقم المعاناة بدخول الشتاء مع منع إدخال الأغطية والملابس الكافية، خاصة في السجون الجبلية والصحراوية الباردة، حيث لا يُسمح سوى بغطاء وملبس واحد لكل أسير. أدى ذلك لانتشار الأمراض المعدية والجلدية والتنفسية بين صفوف أسرى تعاني مناعتهم من الأساس.
في خضم هذه المعاناة المتواصلة، داخل ذلك الركن المنسي من العالم حيث يتوقف الزمن، في معتقل "سدي تيمان"، كان العالم ينتهي عند حدود #العصبة_السوداء على الأعين. لم نكن نعلم بما يدور سوى بأصوات الأصفاد وصياح السجان ووحدة "الناخشون" لنقل الأسرى. الخروج من الغرفة يعني مواجهة مجهول من ضرب وتنكيل، والعودة إليها يشبه العودة إلى بر الأمان الوحيد. عشنا في ما يشبه مقابر الجحيم، دون مصادر للمعلومات سوى لقاء نادر مع محامٍ أو محقّق. لا إذاعات، ولا صحف، ولا كتب، ولا مصحف، ولا دفء، ولا أمان. عشنا في حالة خوف وهستيريا عصبية ناجمة عن القهر والضغط الشديد. كانت وسيلتنا الوحيدة لمعرفة "الخارج" هي صوت #الطائرات_الحربية التي تمزق سماء #غلاف_غزة. كنا نسمع زئيرها وارتعاش الأرض تحتنا مع كل غارة، فتدور في قلوبنا أسئلة مرعبة: أما زال هناك من نحب على قيد الحياة؟ أما زال في غزة ما يُقصف؟
كان الظلم يتجاوز القيد إلى محاولة انتزاع الروح. حتى #ذكر_الله، ملاذنا الوحيد، كان "جريمة" يُعاقب عليها. مُنعنا من الصلاة والوضوء وحتى من تحريك الشفاه بالدعاء سراً. فكنا نقتات على آيات محفوظة في الصدور، نهرب بها من الظلام.
وفي لحظة سادية مفاجئة، سُمح بدخول مصحف واحد إلى البركسات التي تضم 120 أسيراً. كيف لكم أن تتخيلوا شوق مائة وعشرين نفساً متعبة إلى لمس كتاب الله؟ كنا ننتظر الأيام والدقائق لنظفر بلحظة التلاوة. في تلك اللحظات المقدسة، حيث تزاحمت الأجساد المتعبة على النسخة الوحيدة، تلاشى السجان واختفت جدران "سدي تيمان". بكينا فرحاً بعزة الروح التي لا تكسرها القيود. أرادوا لنا الجحيم، فجعلنا من ذكره جَنَّة.